مجموعة مؤلفين

16

الكتاب التذكاري ( محيي الدين بن عربي في الذكرى المئوية الثامنة )

الظاهرة إلى معان أخرى تكون أقرب تمشيا مع ظاهر الشرع ، لأن ظاهر الشرع نفسه ، في نظره ، لا يعبر إلا عن أحد جانبي الحقيقة ، أما الجانب الثاني فيعبر عنه باطن الشريعة وحقيقتها . أضف إلى هذا أن « وحدة الوجود » التي يقول بها ليست وحدة وجود مادية تنكر الألوهية ولوازمها ، أو تنكر القيم الروحية ، بل العكس هو الصحيح : أي أنها وحدة وجود تنكر العالم الظاهر ولا تعترف بالوجود الحقيقي إلا للّه - الحق . أما الخلق فظل للوجود الحق ولا وجود له في ذاته . وقد أدرك ابن عربى خطورة الجهر بهذا المذهب ، والتصريح به في صورة واضحة متكاملة في كتاب أو جزء من كتاب ، خشية اعتراض المعترضين وإنكار المنكرين ، فأذاعه مشتتا بين ثنايا التفاصيل ، مختلطا بمسائل الفقه والحديث والكلام والتفسير وغيرها . وهو يصرح بذلك في كلامه عن عقيدة « الخواص » ( وهي لا شك عقيدته في وحدة الوجود ) في قوله : « فما أفردتها على التعيين لما فيها من الغموض ، ولكن جئت بها مبددة في أبواب هذا الكتاب ( وهو الفتوحات المكية ) مستوفاة مبينة ، ولكنها - كما ذكرنا - متفرقة . فمن رزقه اللّه الفهم فيما يعرفه من أمرها ، ويميزها عن غيرها ، فإنها العلم الحق والقول الصدق » « 1 » . وليس من شك في أنه تعمد هذا التشتيت لعناصر مذهبه إمعانا في إخفاء حقيقته الكاملة ، وضنا به على من ليس أهلا لفهمه . « وما أشبهه في هذا الصدد بفنان ألف لحنا موسيقيا عظيما ثم بدا له أن يخفيه عن الناس فمزقه وبعثر نغماته بين نغمات أخرى . فاللحن الموسيقى العظيم هنالك لمن أراد أن يتكبد مئونة استخلاصه وجمعه من جديد » « 2 »

--> ( 1 ) الفتوحات : ح 1 ، ص 47 - 48 . ( 2 ) انظر التصدير الذي وضعته لكتاب فصوص الحكم : ص 11